send to friend SAVA AS PDF print

زواج القاصرات تصعيد استباقي لمواجهة استحقاقات تقنين حقوق المرأة والطفولة

تزايدت التحركات والفعاليات المكرسة, لمعارضة تحديث التشريعات الرامية إلى تحديد سن آمن للزواج، وصعد عدد من رجال الدين انتقادهم لمشروع تعديل قانون الأحوال الشخصية الهادف وضع حد لزواج القاصرات المتفشي في البلاد بشكل مقلق، وفقاً لما خلصت إليه الدراسات الاستقصائية(1)، وأقوى الأصوات المعارضة جاء هذه المرة من جامعة الإيمان, التي يديرها الشيخ عبدالمجيد الزنداني, الذي أكد أنه في حالة إقرار مجلس النواب مشروع تعديل قانون الأحوال الشخصية الذي ينص على تحديد سن الزواج, سينظم مسيرة مليونية في جميع شوارع العاصمة صنعا.
د. عبدالكريم سلام

 وموقف الشيخ الزنداني هذا سبقه ورافقته مواقف مماثلة, جرى تأكيدها من قبل علماء اليمن, خلال لقائهم الرئيس علي عبدالله صالح عقب ذلك في جامع الصالح أواخر ابريل الماضي، ليتأكد جلياً أن معارضة المشروع تحتل أولوية قصوى "لعلماء اليمن", ويلاحظ في هذا السياق تطابق واضح في خطب ومواقف رجال الدين المعارضين لمشروع تحديد سن الزواج، ويظهر الخطباء والوعاظ والمرشدون في كثير من المساجد موقفاً متناغماً رافضاً تحديد سن الزواج بـ17 أو 18 عاماً، ويلاحظ المراقب المحايد في كثير من خطب الجمع, وحلقات الدروس الدينية, حملة تعبئة واسعة, لا تقتصر فقط على الوعظ والإرشاد, وإنما وصلت إلى حد توزيع المنشورات التي تحث الآباء وأولياء الأمور على رفض تعديل قانون الأحوال الشخصية, معتبرين أنه إذا ما أقر مثل ذلك التعديل, لن تبقى للآباء وأولياء الأمور سلطات على بناتهم, وأن المقصود من وراء هذا المشروع مجارة الغرب في تفسخه وانحلاله، ويحشدون لذلك كل ما يعزز قناعات الناس الدينية بأن الأمر يرمي إلى مخالفة الشريعة الإسلامية, على الرغم من أن قضية تحديد سن الزواج من المسائل الخلافية بين الفقهاء, وتتجه جميع البلدان إلى حسمه لصالح المؤيدين له.
 والخلاف حيال هذه المسألة طفا إلى السطح, حتى وسط رجال الدين أنفسهم داخل اليمن وخارجه, وبرز من بينهم من يدعو إلى ضرورة تحديد سن آمن للزواج, مبدين اجتهادات وقراءات لهذه المسألة, ترتكز على متطلبات الدين, ومقتضيات العصر، لكن على ما يبدو, أن التصعيد الذي يظهره المتشددون من رجال الدين حيال هذه القضية على النحو الذي ظهر في حشد وتعبئة الشارع, وتحريض الآباء وأولياء الأمور, وحشد النساء إلى أتون معركة المعارضة للقانون لا يعد سوى مقدمات لمعركة طويلة, وربما تكون شرسة, سيخوضها "علماء اليمن" ضد التوجهات والترتيبات الهادفة إلى تطوير مجموعة التشريعات والقوانين اليمنية المتعلقة بحقوق الإنسان عامة, وبحقوق المرأة وتمكينها سياسياً واقتصادياً واجتماعياً على وجه الخصوص، ومن متطلبات تلك الترتيبات والتوجهات, موائمة التشريعات والقوانين مع مقتضيات الاتفاقيات الدولية ذات الصلة باحترام حقوق الإنسان, وتحقيق المساواة بين الجنسين الموقعة عليها اليمن, والتي لا يمكن أن تتكرس في الواقع العملي إلا بإيجاد الحماية القانونية والقضائية لها في التشريعات الوطنية.
 وبقدر ما تتعالي الأصوات المعارضة لتحديد سن الزواج؛ تتواصل الخطوات الهادفة إلى خلق الضمانات القانونية والقضائية الساعية إلى فرض احترام المواثيق, والعهود الدولية التي وقع عليها اليمن، وفي الآونة الأخيرة كانت وزيرة حقوق الإنسان هدى البان, تحدثت في ندوة عقدت في صنعاء حول: دور السلطة القضائية في تعزيز الالتزام بالصكوك الدولية "النظرية والتطبيق", نظمها فرع نقابة المحامين اليمنيين بصنعاء, ومؤسسة "فريدريش ايبرت" مكتب اليمن حول هذه الإشكالية، وأكدت خلالها أن الوزارة دشنت مؤخراً مشروع مواءمة التشريعات الوطنية مع الصكوك والاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها اليمن المتعلقة بحقوق الإنسان, وعددها حسب الوزيرة 56 اتفاقية ومعاهدة دولية, مشددة في المناسبة ذاتها على أن انضمام أي دولة إلى المعاهدات الدولية ليس كافياً للتأكيد على احترام الحقوق التي تنص عليها تلك المعاهدات، بل إن مبدأ احترام الالتزامات الدولية يقتضي ترجمتها على نحو عملي وملموس, مشيرة في السياق ذاته إلى أن السلطة القضائية تلعب دوراً فاعلاً في تعزيز الالتزام بما صادقت عليه اليمن من اتفاقيات دولية في مجال حقوق الإنسان.
  وبالنظر إلى طبيعة ومضامين الاتفاقيات والمعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان التي أشارت إليها الوزيرة, فإنها على صلة وثيقة بقضايا ومسائل من شأنها أن تثير جدلاً دينياً وسياسياً واجتماعياً داخل البلاد، لا يمثل الاعتراض على تحديد سن الزواج إلا أحد إرهاصاته الأولى، والمعارضة الشديدة التي بدأ رجال الدين يقودونها ضد إقرار مشروع تعديل قانون الأحوال الشخصية, لاسيما لجهة تقنين سن الزواج لا تعد سوى استعداداً مبكراً لمعركة شرسة بين متطلبات موائمة التشريعات, والقوانين اليمنية مع الاتفاقيات والمعاهدات الدولية, وبين المعارضين لها, وهو ما يتعين الاستعداد لها من الآن, عبر تلمس حلول توفيقية تجنب البلاد الآثار المحتملة للمواجهات بين أنصار ومعارضي التعديلات وموائمتها مع الاتفاقيات الدولية .
  فالثابت اليوم أن مقتضيات العصر وعلومه, أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك, عدم قدرة فتاة قاصرة على القيام بمهام ومتطلبات الزوجية, ناهيك عن الاضطلاع بمسئولية الأمومة، وزواج عائشة من الرسول الكريم, على الرغم من أن سنها محل خلاف فقهي بين العلماء قديمهم وحديثهم, تبقى حالة استثنائية لا يمكن القياس عليها, ولا يمكن لزعيم أن يزعم أنه يتحلى بصفات الرسول الكريم, مما يجعلها من الأمور الدنيوية التي قال عنها الرسول صلى الله عليه وسلم "إذا أتيتكم بشيء من أمر دينكم فاعملوا به، وإذا أتيتكم بشيء من أمر دنياكم, فأنتم أعلم بأمر دنياكم", وفي رواية أخرى "إذا أتيتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي, فإنما أنا بشر", ولذلك فإن ما يقرره العلم, خاصة في مجال التحليل الفسيولوجي, والتحليل النفسي, لا يمكن أن يدرج إلا ضمن قضايا الأمور الدنيوية التي على أساسها اتجهت جل البلدان إلى تحديد سن قانوني للزواج, وحتى منها الدول الإسلامية التي نحت هذا المنحى، فضلاً عن أن الغالبية العظمى في المجتمعات الإسلامية مع تحديد سن الزواج، وطبقاً لاستطلاعات الرأي, فإن 70% في السعودية, 67% في اليمن مع تحديد سن آمن للزواج.
 ففي اليمن, يتصدى رجال لمناصرة هذا التوجه, أمثال النائب البرلماني شوقي القاضي الذي قدم رؤية اجتهادية تدعم الاتجاه لتقنين سن الزواج في ضوء متطلبات الحاضر، فيما تواصل الهيئات والمنظمات النسوية اليمنية معركة دفاعها عن حقوق الطفولة، وتحصين الصغيرات من سلطة الحاجة للمال, وتحرير الطفولة من نزوات الشيوخ, ناهيكم عن الكثير من العلماء الذين يعتد بآرائهم مثل يوسف القرضاوي، وابن عثيمين، هم مع الاتجاه الداعي إلى تحديد سن آمن للزواج, والشيخ عبد المحسن العبيكان – مستشار في الديوان الملكي, وعضو هيئة كبار العلماء بالسعودية, ذهب إلى أن زواج الرسول من عائشة مسألة لا يقاس عليها، خاصة إذا عرفنا أن وليها كان أبو بكر، وزوجها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي أن المفسدة هنا كانت مستبعدة تماماً، بعكس العصر الراهن الذي يقول عنه العبيكان: إنه عصر مليء بالمفاسد، لدرجة أننا نرى أن الوالد مدمن المخدرات, يزوج ابنته من أجل المال, ومن أجل مصلحته الشخصية, على حساب ابنته.
والاتجاه الآن هو لصالح تحديد سن أمن للزواج، فقد جاء على لسان الشيخ محمد الدحيم، القاضي السابق, ورئيس مركز التجديد الثقافي: إنما يحدث الآن من حالات زواج القاصرات لا يمكن تبريره, كما أن الاجتهاد القضائي للمحاكم يسير على المنوال نفسه, فقد قضت محكمة سعودية مؤخراً في منطقة بريدة في السعودية أمام إصرار طفلة بعمر 12 عاماً على طلبها الطلاق من زوجها المسن, قضت بتطليقها من زوجها المسن (80 عاما), كما أن مجلس الشورى السعودي بصدد سن تشريع في هذا الشأن، وفي الأردن بادر مجلس علماء الإخوان المسلمين إلى إعلان موقفه المؤيد لتحديد سن الزواج بـ 18 عاماً للذكر والأنثى, واعتبر في بيان له مطلع مايو الجاري التعديل خطوة تعزز الحقوق الشرعية للمرأة, مشيراً إلى أن "اعتماد رأي معتبر مستند إلى دليل, أمر مقبول فقهياً في ظل متغيرات مجتمعاتنا في هذا العصر".
 
 ولهذا, فإن تصعيد الخلافات في اليمن حول هذه المسألة ليس إلا محاولة استباقية, تروم مواجهة استحقاقات تطوير ومواءمة التشريعات والقوانين الوطنية مع الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي تعد من أهم متطلباتها النهوض بحقوق المرأة, ورفع واقع الحيف والتهميش عنها.
 والمسائل التي سيقننها المشرع, والتي تندرج ضمن موائمة التشريعات الوطنية مع الاتفاقيات الدولية هي حماية حقوق الطفل, وقانون الأحوال الشخصية, وإلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة، وحظر أشكال العنف ضد النساء, وتضمينها القوانين والفقرات التي جاءت في الإعلان العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة، والحقوق الاقتصادية للمرأة. أيضاً من المسائل التي ستكون مشمولة بالتعديلات أو التقنين, قضايا مختلفة مثيرة للجدل, مثل: تعدد الزوجات, وإخضاعها لشروط صارمة, بغية تحقيق العدالة المشروطة, أو المستحيلة أصلاً, وفقاً لما ورد في القرآن الكريم "ولن تعدلوا", وتكريس حق إعلام الزوجة القديمة أو الجديدة بالزواج السابق أو اللاحق، وحق المرأة في طلب الطلاق, وكسر طوق العصمة الذي يبقى وسيلة في يد الرجل لإذلال المرأة وإلزامها ببيت الزوجية, الذي مازال القضاء يسير عليه، واستفادة الزوجة من بيت الزوجية في حالة الطلاق, وبما يكفل تربية الأبناء, وحفظ كرامة المطلقة في مسكن بعد طلاقها، واستفادة الزوجة عند افتراقها من دخل الزوج وثروته التي تكونت خلال زواجهما، وهذه المسائل كانت محل سجالات وخلافات بين المؤيدين والمعارضين، ما يعني ضرورة إيجاد قواسم مشتركة بين الفريقين, عبر الدخول في حوار ونقاش جاد بعيد عن حشد الشارع, ومواجهة استحقاقات لامناص منها, خاصة أن هناك اتجاه دولي يقضي بالتزام البلدان الموقعة على الاتفاقيات الدولية وتضمينها تشريعاتها الوطنية, ما يعني أن على الجميع البحث عن وسائل عملية للموائمة بين متطلبات الاتفاقيات الدولية والخصوصية الإسلامية, على غرار ما حصل في المغرب الذي استطاع باجتهادات رجاله وفقهائه أن يخرج بتسوية تاريخية بين أنصار تمكين المرأة و معارضيه، أما تحريض الشارع, وحشده, وتأليبه, فلن يفضي إلا إلى تأزم الأوضاع, وتعكير الحياة العامة التي لا تحتمل المزيد من المناورات السياسية على الجبهات الأخرى, الدينية والاجتماعية والاقتصادية، وإدراك أن هناك تياراً عارماً يتطلع إلى الانعتاق من أسر الفقهاء الذين لم ينفتحوا لا على الفقه المقاصدي, ولا يستحضرون تبدلات الزمن وتحولاته.
                                                                                               
* مدير دائرة الإعلام في مركز سبأ للدراسات الإستراتيجية