الانتخابات الرئاسـية السودانية: مفترق طرق لا يفض إلى الخروج من دوامة الأزمات
الدكتور أحمد عبد الكريم سيف
تمثل انتخابات الرئاسة في السودان قضية ملحة للأمن القومي العربي, ولا يقتصر تأثيرها على الشأن السياسي السوداني الداخلي، ذلك أن تبعاتها قد تؤثر على وحدة السودان, ومن ثم فهي تمس بشكل مباشر المحيط العربي, وبالتحديد أمن مصر. إذ بعد انسحاب ممثل الحركة الشعبية لتحرير السودان ياسر عرمان من رئاسة الجمهورية، تؤكد كافة التحليلات والمؤشرات والقراءات السياسية أن مستقبل السودان بات في رحم الغيب إذا مضت الأحزاب المعارضة في مقاطعة الانتخابات.
سيظل الغموض يخيم على أجواء الانتخابات, ويرسم أكثر من علامة استفهام حول نجاح العملية الانتخابية في البلاد, ويرسل سيناريوهات جديدة تعزز مخاوف المجتمع الدولي بحدوث عنف سياسي.
وقد انقسمت القوى السياسية بخصوص الانتخابات إلى ثلاثة فرق، حيث يطالب الفريق الأول بتأجيل الانتخابات, بحجة إتاحة الفرصة لمفوضية الانتخابات لإجراء إصلاحات في بعض النواحي التي انتقدتها أحزاب المعارضة؛ مثل عدم نزاهة وحيادية المفوضية، ومعالجة مسألة التعداد السكاني، وحل مشكلة دارفور, وإلحاق الحركات الدارفورية بالعملية الانتخابية.
فيما يرى الفريق الثاني ضرورة إجراء الانتخابات في موعدها المحدد, ويصف مطالب المعارضة بتأجيل الانتخابات بأنها تهرب من الانتخابات حتى لا تكشف مواقفها القاعدية أمام الجمهور. بينما لازم الفريق الثالث من المستقلين السياسيين المرشحين للانتخابات الصمت حيال المواقف المتباينة للقوى السياسية المعارضة.
منذ الوهلة الأولي, ومع اقتراب موعد الانتخابات, تحدثت الأحزاب السياسية والمراقبون عن أن هذه الانتخابات ستفتقر للنزاهة والشفافية, استنادا إلى مجريات الأمور ذات العلاقة بالتحضير للانتخابات. بدءاً من عملية التعداد السكاني, وتوزيع الدوائر الجغرافية, مروراً بقانوني الانتخابات والأمن الوطني, فضلاً عن سجلات الناخبين، والتشكيك في استقلالية مفوضية الانتخابات، وهيمنة الحزب الواحد علي مؤسسات الدولة الإعلامية والاقتصادية والأمنية. أضف إلى كل ذلك أزمة إقليم دارفور وجراحه النازفة، وسريان قانون الطوارئ فيه، بالنظر إلى كل الأسباب سالفة الذكر, والدواعي التي أثارتها القوى السياسية, يتضح جلياً صعوبة إجراء انتخابات حرة ونزيهة تتفق وتتراضي عليها كل القوى السياسية, وتقبل بنتائجها, وتؤدي إلي الاستقرار والسلام والتنمية في البلاد.
وفي انتظار ساعة الصفر الكل يراقب الوضع السياسي المحتقن الآن في السودان عن كثب, منتظراً أن تتصاعد المواقف السياسية في بعض الدوائر, وتتقاطع المسارات الداخلية مع الخارجية, والإقليمية مع الدولية.
ولإلقاء بعض الضوء على الصراع السوداني ـ السوداني حول السلطة والثروة, لا بد من التعرض لانقسام الشمال والجنوب، لأن الأنظمة الحاكمة التي تعاقبت على حكم البلاد جاءت جميعها من مناطق الشمال, مما حال دون تمكن الساسة الجنوبيين من تحقيق مطالبهم في الحكم الفيدرالي في إطار السودان الواحد، ما أدى إلى تشكل قوى معادية لسياسات المركز في الخرطوم. وترجع جذور هذه الإشكالية إلى قبيل الاستقلال عندما اتفق أبناء الجنوب مع إخوانهم في الشمال بخصوص إعلان الاستقلال من داخل البرلمان في (1956), وكانت الاتفاقية بأن يجمد الساسة الجنوبيين مطالبهم (بالحكم الفيدرالي) آنذاك, والوقوف معاً لإعلان الاستقلال, ومن ثم أرجئ النظر في مطالب الجنوبيين بالفيدرالية. ثم تطور الأمر بعد الاستقلال إلى تنكر القادة الشماليين للمطلب الجنوبي, لاسيما عندما رفعوا شعار(لا فدرالية في وطن واحد), وكان ذلك الرفض الخطيئة الأولى, كما قال الدكتور منصور خالد ....., ووفق المعطيات السالفة يمكن القول بأن اتفاقية السلام الموقعة بين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني, تمثل أفضل الحلول التي أتت متوافقة مع آمال وتطلعات الجنوبيين المتعلقة بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان, وهي الآمال التي ستظل المحفزة على تنفيذ اتفاقية السلام، وكان ذلك واضحاً في تصريحات النائب الأول لرئيس الجمهورية, ورئيس حكومة الجنوب الفريق أول سلفا كير ميارديت عندما قال: أن لا عودة للحرب, ويجب أن تطبق الاتفاقية كما جاءت, لإعطاء أهل السودان حقهم من السلطة والثروة. لذا جاء انسحاب ياسر سعيد عرمان (صاحب شعار الأمل والتغيير) من سباق انتخابات رئاسة الجمهورية ليلة الأول من إبريل2010 بمثابة سقوط لكل الرهانات على إمكانية قيام انتخابات تحقق الهدف المنشود, وهو التحول السلمي الديمقراطي الذي يعقب الفترة الانتقالية لتنفيذ الاتفاقيات المُبرمة بين أبناء الهامش السوداني, والمركز القابض علي سلطة وثروة وهوية البلاد.
تعرض الشعب السوداني مثله مثل غيره لتجارب الحكم العسكري الشمولي، غير أنه كان الأكثر تمرداَ عليها, والأوفر حظاَ في تواترها واستمرارها بين الشعوب العربية، حتى غدت حلقة ضمن حلقات تاريخ نظمه السياسية. وعلى الرغم من أن شعوباَ عديدة وضعت نهاية أبدية للنظم الدكتاتورية والشمولية، إلا أن الشعب السوداني بقي رازحاَ تحت رحمتها لأربعة عقود من عمر استقلاله.
في هذا المفترق، من المفيد تحليل العقل الشعبي في تعامله مع أنظمة الحكم. ففي العهود العسكرية الشمولية، يكون العقل الشعبي عادة ميالاً للعب دور الضحية، فيبدو لا مبالياً, ولا مكترثاً بما يدور حوله، ويبعث برسالات خاطئة للحاكم، ذات مظهر مستجيب وموالي. وإزاء قوة الدفع العشوائية التي يلجأ لها العسكريون لتنفيذ برامجهم، تنفذ البرامج والمشروعات بصورة سرعان ما تصبح عبئاً على ميزانية الدولة، ومع تتابع التطبيقات الفاشلة على ذلك النحو، يغدو العبء ثقيلاً على عاتق الدولة والشعب، فينتشر الفساد, ويزيد التبرم تراكمياً إلى أن يسقط النظام. أما في عهود الحكم التعددي، يغدو الشعب في مظهره وإعلامه أكثر حيوية وواقعية، غير أنه يمارس تلك الحيوية الواقعية منطلقاً من تقاليد العصبية الكامنة فيه، حيث تتكتل كل مجموعة تحت مظلة زعيمها, ولا تقبل, ولا تتيح لعقلها فرصة النظر لما عند سواها, أو قبول الآخر، فيتحول المثقف إلى زعيم طائفة أو قبيلة، وتتحول الفئة الأولجاركية إلى حلقة عصبوية ضيقة تمجد زعيمها.
غير أن الانتخابات السودانية التي تعد الأولى في الألفية الجديدة, يجدر أن نبدي بشأنها استثناءين يجعلانها مختلفة عن الانتخابات التي سبقتها:
الاستثناء الأول: مشاركة سكان الشطر الجنوبي لأول مرة, وربما لآخر مرة في انتخابات؛ تجري تحت مبرر ديمقراطي, يمدهم بفرصة لممارسة حق طبيعي حرموا منه طويلاً. وستسفر النتيجة المترتبة عن هذه الانتخابات بالنسبة للجنوبيين, إما عن استقلال نهائي بعد عملية "حق تقرير مصير جنوب السودان", وفي هذه الحالة سوف يتمكن سودانيو الشطر الجنوبي من حكم أنفسهم بأنفسهم في دولة خاصة بهم، وإما وحدة وفق أسس فيدرالية جديدة.
الاستثناء الثاني: أن الانتخابات الحالية تجري في ظل نظام حكم مطلوب دولياً, لارتكابه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية, وجرائم إبادة. والجنرال سوف لن يترك الفرصة لشخص آخر يفوز في انتخابات يعلم مسبقاًَ أنه سيقوم بتسليمه إلى المحكمة الجنائية الدولية. ومنذ البداية جعل الجنرال من الانتخابات برنامجاً خاصاً لحماية نفسه من الملاحقة والمسائلة التي تجري بحقه بسبب دارفور.
في ظل هذه الأجواء المسمومة والملغومة, يطفح علي السطح تحالف الإجماع الوطني, والذي عرف بأحزاب "ملتقي جوبا", والذي يجمع معظم القوي السياسية الرئيسية في البلاد, وهذه الأحزاب اتفقت على برنامج وطني لإخراج البلاد من أزماتها, وتمهيد الطريق للاستحقاق الانتخابي, بتغيير القوانين المقيدة للحريات, لكي تتوافق مع الدستور, وإرساء التحول الديمقراطي, لتنظيم انتخابات حرة ونزيهة للانتقال بالبلاد من عهد الشمولية إلي دولة ديمقراطية, تحترم الحقوق والواجبات.
ومع ذلك تبقى المخاوف قائمة من فشل هذا التكتل، فمنذ البداية اتضح بأن هذا التحالف يفتقر للتنسيق المطلوب, وللبرامج والضوابط واللوائح التي تحافظ على تماسكه, وتضبطه, وتحاسب المنفلتين من صفوفه، وإذا ما طرأت أي عقبة سياسية سرعان ما ستتكشف عوراته وعيوبه, وهذا أمر متوقع لأن هذه الأحزاب بينها اختلافات سياسية، وتباينات أيديولوجية عميقة، لكنها توافقت علي برنامج محدد إزاء الانتخابات والتحول الديمقراطي، فهي اتفقت علي اتخاذ موقف موحدا إزاء مقاطعة الانتخابات, أو قيامها في موعدها, أو تأجيلها في حالة حدوث تجاوزات ودواع تشكك, أو تحول دون قيام انتخابات حرة ونزيهة.
من جهة أخرى, جاء موقف بقية القوى السياسية, يبدو ضبابياً كضبابية ورمادية الحركة ذاتها، إذ سحبت أربعة أحزاب مرشحيها من الانتخابات الرئاسية, لكن مواقفها تأرجحت بين المقاطعة على كل الأصعدة، وبين المشاركة في بقية المستويات، والبعض منها تقدم بمذكرة إلى مفوضية الانتخابات, تتضمن جملة من المطالب, وتنتظر ردها, لتتخذ موقفها النهائي حيالها, ورفضت أحزاب أخرى صغيرة مع المستقلين الانسحاب من الانتخابات, وربما تكون الأيام القادمة حبلى بالكثير من المفاجآت.
المؤكد أن قيام الانتخابات في السودان مسألة وقت فقط، سواءً شاركت أحزاب المعارضة, أم لم تشارك. والدليل على ذلك إصرار مفوضية الانتخابات على إجراء الانتخابات في الموعد المحدد لها, في الحادي عشر من الشهر الجاري, من دون مراعاة لمطالب أحزاب المعارضة.
ويذهب بعض المحللين السياسيين إلى أن المجتمع الدولي يرغب أن تجرى الانتخابات السودانية في موعدها, على الرغم من عدم التأكد من نزاهتها كخطوة لمنع الأطراف من الدخول في العنف الانتخابي, كما حدث في إيران في محاولة لتفادى انزلاق شريكا "نيفاشا" في حرب جديدة، وخاصة بعد أن قال الرئيس البشير أن الحركة الشعبية إذا رفضت المشاركة في الانتخابات, سيرفض المؤتمر الوطني استفتاء الجنوب, وهو ما يعني أن هذه الانتخابات تمثل مفترق طرق لا تفض اتجاهاته إلى خروج هذا البلد من دوامة أزماته.
____________________________
[1] رغم أن انسحاب الحركة الشعبية من انتخابات رئاسة الجمهورية بشأن دارفور, مزاعم غير صحيحة, بحجة أن الحركة الشعبية تبكى على اللبن المسكوب, بعد أن سمحت للمؤتمر الوطني بتمرير قانون الأمن الوطني بالأغلبية الميكانيكية في البرلمان, بالرغم من علمها بأن الوضع في دارفور غير آمن, ومن الصعب إجراء انتخابات حرة ونزيهة في حالة الطوارئ في دارفور. وفى ذات الاتجاه شككت حركة العدل والمساواة في مزاعم الحركة الشعبية لتحرير السودان بأنها انسحبت من انتخابات رئاسة الجمهورية, بسبب مشكلة دارفور, وقالت ربما هناك صفقة بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية بشأن الانتخابات, كما حدثت في وقت سابق, بخصوص قانون حق تقرير المصير والاستفتاء في جنوب السودان.
* المدير التنفيذي لمركز سبأ للدراسات الإستراتيجية






