العنف يدفع مسيحيي العراق إلى هجرة لا سابق لها-(النهار)
التاريخ : 2009-08-04 11:25:13
يقول الخبراء في الشأن المسيحي العراقي ان موجات هجرة المسيحيين الى اوروبا والغرب بدأت منذ الاربعينات والخمسينات من القرن الماضي، لكن الهجرة المكثفة التي حصلت منذ الغزو الاميركي للعراق في نيسان 2003 لم يشهد لها مثيل، نتيجة غياب السلطة والامن والاعتداءات التي تعرض لها هؤلاء وتعرضت لها كنائسهم واديرتهم. وكان آخرها وربما ليس الاخير ما حصل في 13 تموز الماضي عندما استهدفت ست كنائس في يوم واحد.
فهل يتعرض مسيحيو العراق للاعتداءات لانهم على دين يسوع المسيح؟ ام لكونهم أقلية؟ ام للسببين معاً؟ ويبدو ان ايام العراق ما بعد 2003 ترجح القول انهم يتعرضون لذلك لانهم عراقيون فحسب.
فجماعات العنف في العراق وزّعت ظلمها على جميع الابرياء بالتساوي. ولعل هجمات الخميس الماضي على خمسة مساجد وحسينيات شيعية وتعرض مدينة تازة التركمانية في حزيران الماضي للدمار اثر استهدافها بسيارات مفخخة، تؤكد هذا الامر.
الا ان تعرض المسيحيين لهجمات متواصلة يثير الخوف والهلع في اوساطهم كما يثير الحيرة والحزن داخل العراق عموماً، لانهم الاكثر هدوءاً وسلماً، فهم، طوال تاريخهم الذي يمتد الى اكثر من ألفي سنة في بلاد ما بين النهرين، تعاملوا بواقعية عالية وهادنوا السلطات والناس العاديين، وتمكنوا من بلورة سمعة طيبة وعريضة في الاوساط العراقية.
وهم اليوم بين سندان القوى المهيمنة ومطرقة العنف، على حد تعبير احد سكان مدينة الموصل التي تعرض سكانها المسيحيون لحملة اعتداءات واسعة في تشرين الاول من العام الماضي ادت الى نزوح قرابة 1500 عائلة من مناطق وجودها في القرى المحاذية لمدينة الموصل الى اقليم كردستان، الذي مثل لهم ملاذاً آمناً في السنوات الاخيرة.
ويشار الى ان مسيحيي العراق يتوزعون على قوميات ومذاهب متعددة يمكن اجمالها بأربعة مكونات رئيسية هي: الكلدان، الاشوريون، السريان، الارمن. فالكلدان اتباع الكنيسة الكاثوليكية. والآشوريون اتباع كنيسة العراق القديمة (النسطورية) وينقسمون بدورهم ثلاثة مذاهب مسيحية. اما السريان، فينقسمون بين سريان كاثوليك وارثوذكس وهم اتباع الكنيسة الغربية في سوريا. واخيراً الارمن وهم في معظمهم من المهجرين ضحايا الاضطهاد العثماني في تركيا، فضلاً عن الاقباط والبروتستانت والطوائف الغربية الاخرى وبنسبة لا تتعدى واحداً في المئة من عدد مسيحيي العراق وهم بصورة عامة ترشحوا من مذاهب وطوائف اصلية في العراق، استناداً الى مصادر مسيحية.
ومع وجود اكثر من 62 كنيسة وديراً في بغداد، تغري آثار الدمار الماثلة حتى الآن عند مدخل كنيسة مريم العذراء في شارع فلسطين ببغداد، بعد تعرضها لانفجار سيارة مفخخة في تموز الماضي في سلسلة انفجارات الكنائس الستة، بالذهاب اليها، فضلاً عن ان المشهد برمته ربما لخص تاريخ عذاب سكان وادي الرافدين القدماء منذ احتلال العراق. والى مشهد الاضرار المؤلم الذي لحق بالمكان، يلفت الانتباه رجل يقف قرب باب المطران شليمون وردوني راعي الكنيسة على امل الحصول على مساعدة للعودة الى مهجره في مدينة عين كاوة في محافظة اربيل بعد تهجيره من بيته في حي الدورة ببغداد. يبدو كأنه يضاعف مشهد الالم عند باب الله. وحين سألته لماذا رحلت الى الشمال، أجاب: "جماعات العنف خيروني بين أن أزوج احدى بناتي لاحدهم او ادفع الجزية! وفضلاً عن ذلك اختطفوا احد اخوتي وطلبوا 30 الف دولار لاطلاقه، فاعطيناهم المبلغ وقتلوه!".
ولكن لأن ما يجمعه الله لا يفرقه الانسان، ولأن ابواب رحمة الله اوسع من ثقوب شر الشيطان، كان لوجود نساء مسلمات عند مغارة السيدة العذراء في الكنيسة يتوسلن السيدة ويقدمن لها النذور، مغزى ودليل يرمز الى تاريخ التعايش بين مختلف الاديان والطوائف العراقية وبذرة أمل في وادي الحزن والدموع.
أما مساعد بطريرك الكلدان عمانوئيل دلي الثالث وراعي كنيسة مريم العذراء المطران شليمون وردوني الذي التقيناه في مقر اقامته في الكنيسة، فلا ينفك يعبر عن حيرته المتواصلة حيال هجرة المسيحيين العراقيين.
سألته، سيدي أما زلت حائراً؟ اجاب: "لست انا فقط حائراً، لكن كثيرين مثلي حائرون لاننا امام حدث او صعوبة لا نستطيع حلها كما نريد وكما نرغب ان يرضى الله عنا، فان الصعوبات متراكمة الواحدة تلو الاخرى. وحيرتنا ليست مقتصرة على المسيحيين، لكنها لكل العراقيين لاننا لا نعلم ما هو ذنبهم حتى يعيشوا سنوات طويلة من عدم الراحة والاستقرار. فهل هناك شخص في العالم – عدا الذين فقدو العقل السليم والرؤية الصحيحة في الحياة – لا يرغب في العيش بسلام في هذه الحياة؟ فحالتنا محيرة من هذه الناحية، كل سنة نأمل في ان تكون السنة او الشهر و الاسبوع المقبل افضل، لكننا نرى العكس".
واوضح ان "الاصعب في امر الحيرة هو ان "الكنيسة ورؤساء الدين لا يفضلون الهجرة، فنحن ابناء هذا البلد القدامى وترك البلد ليس امراً سهلاً، ومن ناحية نقول لهم لا تهجروا البلد ومن ناحية اخرى لا حول لنا ولا قوة عندما يقولون لنا اتضمن لي الحياة؟ اتضمن لي العمل لابنائي وتضمن لي مستقبلهم؟ ماذا يمكنني ان اجيب؟ لا نستطيع ان ندرس، ولا نستطيع ان نصلي او نعمل، فكيف يستطيع اي كان العيش في محيط كهذا". لكنه اضاف انه غير متشائم "فلا يجدر بنا ان نكون متشائمين لأننا ابناء الرجاء، لكنني ارفع اسئلتي هذه الى قوات التحالف وحكومتنا العراقية".
ونفى المطران وجود احصاءات دقيقة عن اعداد الضحايا والمهاجرين منذ 2003 حتى الآن "لا احصائية لدينا لأن الأمر صعب جداً، لكن الضحايا في ازدياد يومياً والمهاجرون في ازدياد".
وعن اداء الحكومة من حيث توفير الحماية للاقليات الدينية في العراق قال: "انهم يعدون بذلك لفترة قصيرة، ولكن متى هدأت الامور وانتهى الحدث يبدأ اهتمام الحكومة بالتراجع".
ونظراً الى الفظائع التي تعرض لها مسيحيو العراق في مختلف مدنه وفي الموصل خصوصاً، دعت قيادات دينية وسياسية مسيحية الى التفكير في المطالبة باقامة منطقة عازلة او اقليم خاص بالمسيحيين في سهل نينوى. إلا أن المطران وردوني مع بقاء العراق موحدا، لكنه من حيث المبدأ يؤيد الفكرة اذ أدت الى حماية الوجود المسيحي في العراق، مع انه لا يريد ان يعيش المسيحيون في "قفص". وقال "اذا كان الحكم الذاتي من اجل الدفاع والحصول على حقوقنا فهذا ما نريده، اذ اننا ندافع بكل قوة من اجل ان يحصل المسيحيون على حقوقهم كاملة، وان يحكموا او تكون الادارة في ايدي ابنائهم، وبعلاقة مباشرة مع الحكومة المركزية، لكننا لا نريد ان نكون في قفص".
وعن الخطوات التي تمت في هذا المجال حتى الان لفت الى ان هذا أمر سياسي وهو "ليس من شأننا وحين نسأل نعطي رأينا، وندعو الزعماء المسيحيين الا يفضلوا خيرهم وخير حزبهم الشخصي على خير ابناء جلدتهم".
ومثل غالبية العائلات العراقية سواء المسلمة او المسيحية، شهد العراق هجرات كثيرة من الريف الى المدينة بحثا عن الامن ولقمة العيش.
ومن تلك العائلات عائلة نمرود قرياقوس التي هاجرت من قرى العمادية في دهوك مطلع الستينات من القرن الماضي عقب نشوب الحرب بين حكومة بغداد والمقاتلين الاكراد. وادت الهجرات الى اندماج ابناء هذه العائلات في مختلف المهن والوظائف الحكومية. واختار نمرود مهنة حرة وخدم في الجيش السابق خلال الحرب العراقية – الايرانية (1980 – 1988)، وتعرض لاصابتين في معركتي الفاو والانفال (1982 – 1988)، فضلا عن اعاقة احد اخوته في تلك الحرب.
ودرج على الميل الى خط اليسار العراقي، فضلا عن اعتداده الشديد بهويته العراقية، لكنه لا شك يفضل عليها قوميته الآشورية. اما اليوم، فهو يلعن اليسار واليمين العراقي، فضلا عن اعتقاده ان السياسيين المسيحيين "لا يكترثون الا لمصالحهم الخاصة".
ويقول نمرود ان ما تعرض له المسيحيون في السنوات الاخيرة يفوق ما تعرضوا له في قرن كامل، وانه "من بين 450 عائلة من اقاربي لم تبق الا 20 عائلة لم يسعفها الحظ بالالتحاق بأقاربها في اوروبا والولايات المتحدة واوستراليا".
واعتبر زيا ننو زيا الذي ولد وعاش في البصرة 35 سنة، ان احوال المسيحيين في البصرة سيئة جدا بسبب الضغوط التي يتعرضون لها وقال: "كان ابي، الذي هاجر من قرية في شمال العراق الى البصرة عام 1948 وعمل هناك وتزوج امي اللبنانية، يعمل في ميناء البصرة، وكانت الاوضاع آنذاك رائعة. لكن اليوم تغير كل شيء، فالمسيحيون في البصرة انحسر وجودهم بشكل مخيف، ولم يبق منهم الا قرابة 200 – 300 عائلة من اصل 400 الف شخص من جميع الطوائف المسيحية".
وأكد ان احياء الموفقية والجمهورية والاندلس والعزيزية وابريهه والكزارة في البصرة، كانت تضم غالبية مسيحية، اما اليوم فقد فرغت تماما او تكاد وجماعات الاسلام السياسي فرضت الحجاب على الجميع بمن فيهم المسيحيون، وعندما يرون امرأة غير محجبة يقولون: استغفر الله... اعوذ بالله". واضاف: "لولا اصابة امي بمرض الزهايمر وسوء حال ابي الصحية لغادرت العراق منذ زمن طويل".
(بغداد – من فاضل النشمي)













